الجمعة، 28 نوفمبر 2025

كتاباتٌ على ورقٍ أصفر


هُنالِكَ،

تَقِفُ على مُفرَقِ جِدارَيْنِ

بَعْضُ العُشْباتِ،

تِلكَ الصغيراتُ،

لَم تَعْرِفْ زُهورُها اللِّقاحَ بَعدُ.

على أرضٍ غيرِ مُستقِرَّةٍ،

يَنتظِرُ جَوادِيَ الفاقدُ للسَّيرِ،

كما يَنتظِرُ قَلْبِي دقّاتٍ رُبَّما

كانَتْ لَهُ لَولا انحِصارُ الزَّمَنِ.


ذاتَ صَباحٍ، اسْتوقَفْتُ تاكْسِيًّا؛

كانَ يَنتَظِرُ الطَّعامَ،

فكُنتُ أوَّلَ قِطْعَةِ خُبْزٍ

تَدخُلُ جَوْفَه،

وكنتُ أوَّلَ مَن تَبَعْثَرَتْ

سَجائرُه على التابلوه.


لا أدْرِي كَيْفَ أُسْجِيتُ

على فِراشِي؟

وكَيْفَ اتَّشَحَتْ جُدرانِي

بالظَّلامِ؟

أنا لا أَرَى، لا أَسْمَعُ، لا أَتَكَلَّمُ؛

فقطْ أَشْعُرُ بتَوَقُّفِ الزَّمَنِ.


كَثيرًا ما كَذَبْتُ بادِّعائِي

اعتِناقَ سَجَّادَةِ الصَّلاةِ فورَ عَوْدَتِي

إلى المَنْزِلِ،

خَشْيَةَ أن أَخْضَعَ للتَّفْتِيشِ

اليَوْمِيِّ،

وتَخْضَعَ خُصْيَتِي للدَّعْسِ

لِتَطْمَئِنَّ مَن كانَتْ لِى

ألا أَسْتَحْوِذَ على غَيْرِها.


تَهَلَّلْتُ سُرورًا

حينَ كُنتُ أَبُولُ،

ووَجَدْتُ قَطَراتٍ مِن بَوْلِي

تُمَزِّقُ مِثانَتِي قَبْلَ الخُروجِ؛

فأَدْرَكْتُ أنَّ تَقَدُّمَ العُمْرِ

تَمَلَّكَ مِنِّي، فاطْمَأَنَّ قَلْبِي،

فليسَ هُنالِكَ داعٍ للتَّفْتِيشِ

مِن جَديدٍ.


لا أُحِبُّ الخَمْرَ،

فقط أَثْمَلُ وأَنْتَشِي

حَدَّ ذَوَبانِ جَسَدِي على أَرْضِيَّةِ غُرْفَتِي الخَشَبِيَّةِ.

تَتَبَخَّرُ مِنِّي قَطَراتٌ تَتَصاعَدُ

نَحْوَ السَّقْفِ، أَرَانِي فيها مُبْتَسِمًا،

واللَّيْلُ يُداعِبُني بِلَثْمِ شِفاهِهِ للسَّماءِ،

وَيَسْتَمْنِي سَحابَاتٍ لَم تَرَها

الرِّياحُ بَعْدُ.


وَحيدٌ أَنا كَقَمَرٍ

لَم يُجْهِدْ نَفْسَهُ في وَضْعِ جَوّالِهِ

على الشَّاحِنِ لِيَرَى كَمْ مُكالَمَةً

فاتَتْهُ في انتِظارِهِ.


السبت، 22 نوفمبر 2025

 قابِعَةٌ في

مَكمَنِ من جِدارٍ جانِبِيٍّ،

تَرَى المَشهَدَ المُعَدَّ

خِصِّيصًا لِسَرْدِ مَقالاتٍ

تَتَكَرَّر.

تُنصِتُ مَعَ مَن أَنصَتُوا

لِإصداراتِ الإذاعاتِ

المَحلِّيَّة،

أحلامٌ تَنمُو في أُمنِيّاتٍ

رُبَّما تَتَحَقَّق.


ما زِلتَ هَشًّا، أيُّها الفَتَى

القَديم؛

لَم تَقوَ أن تُحافِظَ على

العَلاقة،

فكان الهُروبُ مَخرَجًا

لِصالِحِكَ،

وسَيفُكَ في سِنَةٍ

مِن غِمدِهِ،

وأنتَ تُشاهِدُ، ولَم يُعِركَ

بُكاءُ جَوادِكَ، وتَناسيتَ.


...


عَلى يَسارِ الكُرسِيِّ

يَقِفُ العَامَّة،

وأنتَ لَم تَعُد كَسابقِكَ

الوَديعِ المَرجُوِّ مِنَ الله؛

فَلَم تَعُدِ القُبلَةُ تَصلُحُ

لِلصَّلاة،

ولَم يَعُدِ الجِدارُ يَستَوعِبُ

تَبَاكِي مَن أَتَوا.


لِذا ضَحِكَتْ مُثبَّتَةً في جِدارِها

وهيَ تَرَى تِلكَ الشَّمْعَاتِ تُنِيرُ

رَغمَ سُخرِيَةِ الرِّياح،

وضَحِكَتْ لِبَرَاءَةِ الفَساتِينِ

البَيضاء،

رَغْمَ ٱتِّشَاحِ أَسفَلِها بِالتُّراب.


ما جَعَلَنِي أُصَفِّقُ بِحَرارَةِ

الٱستِيعاب، وأَنتَشِي

بِضَغطَةٍ على زِرِّ الإضاءة،

قَبلَ أن تُجَزَّ رِقابُ مَن قالوا:

"نُحِبُّ"،

وقَبلَ أن تَرقُصَ كيتِي

ولا تُبالي.


الخميس، 20 نوفمبر 2025

الحَرْبُ تُميتُ
دَجاجاتِي،
فَلا بَيْضٌ،
ولا خُبْزٌ،
ولا زُبْدٌ.

نِساءُ بَلْدَتِنا يَبِعْنَ
الشِّيلانَ مُقابِلَ
نَوافِذَ بلا بُيوتٍ،
لِيُشاهِدْنَ زُرْقَةَ السَّماءِ
الأكثَرَ أمانًا،
رَغْمَ أنَّ الضَّرْعَ خاوٍ.

هُنالِكَ أيضًا أَطْفالٌ
تَبْكِي مُؤَخَّراتِهِمُ الصَّغيرةَ
مِن لَطَماتِ الشِّتاءِ المُتَلاحِقَةِ
في سُجونِ الِاحْتِلالِ.

وشُيوخُ المَلائِكَةِ لا تَقوَى
عَلَى العِبادَةِ،
وتَسْتَحِي مِنَ الدُّعاءِ.

صَخْرَتي وَحِيدَةٌ،
وأنا لا شَيْءَ،
وحَبيبَتي جُثَّةٌ زَرْقاءُ.

هَلْ تَذْكُرُنا رَسائِلُنا
القَديمةُ بِشَيءٍ مِنَ المُواساةِ؟
أَمْسِ التَقَيْنَا، وَكانَتْ
زُهُورُنا مُشْرَبَةً بِحُمْرَةِ
العُنْفُوانِ،
تَحْمِلُ عَزاءَنا الوَحيدَ
في عَدَمِ امتِلاكِ مَنْزِلٍ
ومَأْكَلٍ،
واليَوْمَ لا يَسَعُنا شَرْحُ
المَوْقِفِ.

 خُطُواتٌ رَتيبَةٌ

فَوْقَ البِلاطِ البازَلْتِيِّ.

تَكادُ تُمْطِرُ في كَفِّي،

تَسْتَحِي.


نَذوبُ كَقِطْعَتَيْنِ مِنَ أيِّ

شَيءٍ

تَحْتَ المَظَلَّةِ الوَحِيدَةِ.


نُسْكَبُ في كوبَيْنِ مِنْ ظِلالِنا،

لِيَراها مَن مَرَّ وَحيدًا

ويَحْتَسينا،

عَلَّهُ 

يَدْفَئْ.

الأربعاء، 19 نوفمبر 2025

 مَن يَثْمَلُ كثيرًا

يَرى كثيرًا؛

هكذا حَدَّثَتْنِي الكُؤوسُ

عندما تَمايَلَتْ…


في كاملِ أُناقَتِها،

تَعبَثُ بشَعيراتِ طفلٍ

يَشْرُدُ الخيالُ ويَعود،

لِتتجسَّدَ آخرُ نُقطةِ عَرَقٍ

على جَبِينِ مَن ضاجَعَها.


مُسْبَلَةُ العَيْنَيْنِ كانت،

يَتَفَرَّسُ مَلامِحَها أحيانًا

لِيَختَبِرَ امتِلاكَ اللحظة.


كيفَ أُداعِبُ حِنّائي

على كَفِّها الصغير؟

ناظرًا إلى بُنِّيَّةِ الرِّمالِ المُبْتَلَّة،

حيثُ ارْتَكَزَ السِّوارُ

أعلى كَعْبِها،

لَوْحاتٌ رُسِمَتْ ربّما

قديمًا.


هكذا حَدَّثَتْنِي الكُؤوسُ

عندما تَمايَلَتْ.


حينَها كان للدُّخانِ أثرٌ.

نَظَرْتُ برِفقٍ إلى إصْبَعي،

فَرَمَقَني خاتمي مُرتابًا

مِن ذِكرايَ،

يَظُنُّني أَنْفَعِلُ… أَهْتاجُ.


ضَحِكْتُ حتّى ارتميتُ

ظَهْرًا،

واطْمَأْنَنْتُ لِزَيْفِ

عافِيَتي.

السبت، 15 نوفمبر 2025

 لُوجُوسْ.

كُنتُ مُوجُودَاً،

والآنَ كائِنٌ

وَسَوفَ أكون.

أنا لا أُحرِقُ الأَشْياءَ

ولا قُلوبًا تَحيا.

أشجارٌ كانت لي،

رأيتُها،

وسأراها،

وهذا مَعلوم.

ابنتي رُبَّما صادَقَت،

رُبَّما أَصدَقَت،

رُبَّما خانَت،

ورُبَّما خانَها.

وَقَد كَانَت لِى

بَردِيَةٌ اكتُبُ فِيها

ماضِىّ واراهُ.

على حائطي دَوَنتُ تواريخَ

 الحِقبَةٍ،

اقرأُها،

وأتذكَّرُها.

أَعتَذِر…

قَلبي الآنَ لا يَنبِض،

فقط يَتعايش.

مَن هي أُمِّي؟

أَتِلكَ التي كانت؟

أم تلكَ التي رأيتُها ذاتَ حِقبَة؟

أحلامٌ كُلُّها جِيادٌ،

وأنا لستُ فارسًا.

عَرَفتُ التفكيكَ،

ولا أُدرِكُه.

أَحِنُّ إلى أَرضيَّةِ سَكَني الخَشبيَّة،

وجُدراني المُتعَبَة،

وتفاصيلَ…

لَوَّحتُ ذاتَ مرَّةٍ لِعَرَبةٍ خشبيَّة،

كنتُ أَرغَبُ أن تَقِلَّني إلى

وَطَنٍ أَرغَبُ العيشَ به.

قِطارٌ جاءَ ومَرَّ،

ولم يُعِرْني اهتمامًا.

سادَ صَمتي حينَ قرأتُ

تاريخًا قديمًا على جريدةٍ

سادَها الاصفرار.

بُقَعٌ حَمراءُ في طريقٍ،

داكنةٌ أحيانًا،

وأحيانًا أُخرى مائلةٌ إلى

الاصفرار.

شَظيَّةٌ قديمةٌ في قَدَم،

وجُرحُ نَصلٍ في ظَهرِ جَسَدٍ

أذاكَ الذي في رقبتي

آثارُ حَبلِ مِشنقة؟

أم دونَ ذلك؟

حبيبتي تُرسَمُ على

سَطحِ قَمَرٍ يَستَقِلُّ المترو

في الصباح.

تِلكَ السَّفينةُ كانت،

وانشَقَّت،

وذاكَ البحرُ لم يَجِفَّ

بَعد.

رنينُ هاتفي الخَلَويِّ

يَعلو،

ورسائِلُها عبرَ المِسنجر

تَنتَظِر.

أمّا ذهابي إلى العَمَلِ

فحَتميٌّ.

---

الخميس، 13 نوفمبر 2025

شروق من غيم

 هُنا نَلْتَقِي،

وكُنَّا جَسَدَيْنِ.

هُنا،

نُمَارِسُ التَّزَاحُمَ،

نُمَارِسُ دِفْءَ الْتِقَاءِ كَفَّيْنَا.


وَسَرْدِيَّةُ الْمَشْهَدِ

تُمَارِسُ شُرُوقَ شَمْسِهَا تَدْرِيجِيًّا،

لِيُعْلِنَ الْجَانِبُ الزُّجَاجِيُّ

عَنْ طِبَاعَةِ بُورْتِرِيهٍ

لِكَفَّيْنَا يَرْقُصَانِ دِفْئًا.


أَطْفَالُ الْمَلَائِكَةِ لَا يَحْمِلُونَ

عِبْءَ التِصَاقِ الْأَجْسَادِ فِي الْأَعْلَى،

فَلَرُبَّمَا يَسْتَطْعِمُونَ بَقَايَا الغَيْمٍ.


ــــــــــــــ


هَا نَحْنُ، حَبِيبَتِي،

لَا يَرْبِطُنَا إِلَّا عِلَاقَةُ تَزَاحُمِ

الْأَنْفَاسِ الْمُثْقَلَةِ،

وَرَسَائِلُ مُشَفَّرَةٌ عَبْرَ «الْمِسِنْجَرِ»

لِفَرْضِيَّةِ التَّوَاجُدِ.


فَأَنَا أَنَا، وَأَنْتِ أَنْتِ،

يَتَّحِدُ كُلٌّ مِنَّا بِمُفْرَدِهِ

مَعَ بَاحَاتِ مَدِينَتِنَا.


ــــــــــــــ


لَمْ يَعُدِ لِسَانُ النَارَ يَشْتَعِلُ،

وَأَصْبَحَتِ الشُّمُوعُ الدَّامِغَةُ

لِلرَّسَائِلِ عَلَى سَابِقَتِهَا.


ــــــــــــــ


أَحْمَرُ شِفَاهِكِ فَقَدَ بَرِيقَهُ،

وَعَيْنَايَ اعْتَادَتَا جَفَافَهُمَا

مِنْ كَثْرَةِ تَزَاحُمِ صُوَرِ الْمُحِيطِينَ.


ــــــــــــــ


أَلَا زِلْتِ تَخْجَلِينَ مِنِ ابْتِسَامَتِكِ

فِي كُلِّ مَرَّةٍ، لِأَنَّهَا تُظْهِرُ أَثَرَ التَّبْغِ؟

أَمْ أَنَّ شَفَتَيْكِ اطْمَأَنَّتَا لِرُؤْيَةِ الْبَعْضِ؟


ــــــــــــــ


عَلِمْتُ أَنَّ طِلَاءَ أَظَافِرِكِ

لَا يُمَسُّ،

وَأَنَّ أَحْمَرَ شِفَاهِكِ

عَلَى سَابِقِ عَهْدِهِ،

وَأَنَّ مِعْطَفَكِ

لَمْ يَعُدْ يَحْتَاجُ إِلَى الْعِنَايَةِ بِهِ،

فَاطْمَأَنَّ قَلْبِي.


ــــــــــــــ


أَصْبَحْتُ أَقْضِي

مَا فَاتَنِي مِنْ عِبَادَاتٍ،

كُنْتُ مَرِيضًا

وَقْتَمَا كَانَتْ...

الأحد، 2 نوفمبر 2025


أَمْسِ... وثلاثةُ وُجوهٍ

تَتَمَزَّقُ رَوابِطُ العُنُقِ
مِنْ حَوْلي،
تَتَهَاوَى القِشْرَةُ الوَرَقِيَّةُ
عَنِ الجُدْرَانِ،
وتِلْكَ الَّتِي عَلَى فِرَاشي
تَسْتَغِيثُ
مِنْ أَحْلَامِي الَّتِي
تَرَاهَا.

اللَّيْلُ يَتَلَصَّصُ خَارِجًا،
يَخْشَى فِكْرَةَ الدُّخُولِ.

أَنَّاتُ سُكْرٍ،
وَعَذَابَاتٌ تَمْتَنِعُ عَنِ الشَّكْوَى.
أُمْنِيَاتٌ صَامِتَةٌ،
عَسَى أَنْ تَفْتَحَ النَّوَافِذُ ذِرَاعَيْهَا،
لِتَتَسَلَّلَ البُرُودَةُ
وَتُنَفِّذَ المَوْقِفَ.

تَنْسَالُ الجُدْرَانُ
لِتَمْتَزِجَ أَلْوَانُهَا
بِأَرْضِيَّةِ الغُرْفَةِ،
مُحْدِثَةً ذَوَبَانَ جَسَدَيْنَا
دَاخِلَ مَدَارَاتٍ سَرِيعَةِ الإِيقَاعِ.

مُمَدَّدٌ
عَلَى كُرْسِيِّ الطَّبِيبِ،
أُحَاوِلُ فَكَّ طَلَاسِمِي،
بَعْدَ أَنْ جَرَّبَ المُحِيطُونَ جَمِيعًا
إِقْنَاعِي بِالعُدُولِ
عَنْ فِكْرَةِ قَتْلِ الأَشْيَاءِ.

ابْتِسَامَتِي لانْتِهَاءِ المَشْهَدِ،
حِينَهَا تُضِيءُ القَاعَةُ،
وَتَفْتَحُ أَبْوَابَ دُورِ العَرْضِ،
مُعْلِنَةً عَنْ تَسَرُّبٍ نِسْبِيٍّ
لِلْبُرُودَةِ.

لَوْحَتَانِ، لَيْسَ بَيْنَهُمَا
حَائِلٌ،
تَنْسَالَانِ عَلَى جِدَارِ
الشَّارِعِ الخَلْفِيِّ.