الاثنين، 27 أكتوبر 2025

 ركام

مُحَطَّمٌ أنا في يدي،

وبقايا مِنِّي مَنْثورةٌ

على الباركيه.

أُقَبِّلُ أقدامًا كانت هنا

بالأمس.

تتخدَّرُ أشلائي،

وتدور.


الرَّقصُ على أطرافِ

أصابعي يُشعرني

بالنَّشوة.

تكادُ أُذني تَنعمُ بدِفءٍ

من رنّاتِ السِّوار،

وأنا أشعرُ بخُصلاتٍ

مُمَوَّجةٍ على كتفيَ العاري.

لوحةٌ زيتيَّةٌ —

فأنا أَعشقُ فنَّ التَّجريد.


...

مَهْلًا للمشهدِ.


هناكَ يَتَعانَقانِ تحتَ هُطولِ

مياهِ الاستحمامِ الباكيةِ

على فَضِّ بَكارته.

وهنا مُغمِضُ العينينِ

يَذوب.

تَبًّا لِذَاكِرَتي الباكية.


كنتُ على موعدٍ مع شتاءٍ،

وكانت على موعدٍ مُختَلَسٍ

مِنهُ —

ولكنَّ يقينَ اللِّقاءِ ظلَّ.


هيَ تَرقصُ؟

هيَ تَدورُ؟

وكان طِلاءُ الأظافرِ القِرمزيِّ

بَطَلَ المشهدِ،

مُتلاحمًا مع الدُّخانِ العَطِريّ.


باكيًا أنا في زاويةٍ من ذلك،

وباكيًا هو،

وباكيَةٌ هي.


تَبًّا للَّونِ الرماديِّ،

وتَبًّا لِذَاكِرَتي القديمةِ.

وبقايا من زجاجٍ مكسورٍ

مُبَعْثَرٍ أرضًا

يَدْمينِي.


السَّماءُ تبكي،

والنافذةُ تَنتظر،

وجُدراني مُبتلَّة.


شِتاءٌ آخر،

وحيد،

مُنتَظِرُ اللِّقاء.



---

الأحد، 26 أكتوبر 2025

وَحِيدَاَنِ،

وَجِدَارٌ.


مُتَقَابِلَيْنِ عَلَى طَاوِلَةٍ،

نَلْتَقِي،

وَلَا نُكْتَرِثُ لِهَذَا اللِّقَاءِ.


النِّسَاءُ فِي مَدِينَتِنَا

يَلِدْنَ ذُكُورًا

غَيْرَ مُكْتَمِلِينَ،

وَإِنَاثًا كَذَلِكَ.


الشِّتَاءُ يَكَادُ يَعْتَدِلُ،

لَوْلَا اخْتِلَافُ الْمَشَاعِرِ.


عَادَةً مَا يَنْبِضُ قَلْبٌ

بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ،

وَعَادَةً مَا نَتَحَدَّثُ

عَنْ رِوَايَاتِ الْفِرَاقِ أَكْثَرَ.


الْأَسْوَدُ أَشَدُّ بُرُودَةً فِي الظِّلَالِ،

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ حَرَارَةِ تَلَاقِي

كَفَّيْنَا مَعًا.


أَشْعُرُ وَكَأَنَّهَا قَدِ انْتَهَتْ لِلتَّوِّ

مِنْ مَهَامِّهَا الْمُعْتَادَةِ،

حِينَ تَرْتَدِي مِعْطَفَهَا،

وَقِطَعًا مِنَ الإِكْسِسْوَارَاتِ.


بَائِعُ الْجَرَائِدِ يَبِيعُ الْعِلْكَاتِ

أَيْضًا، لِعَدَمِ تَوَافُرِ عُمَلَاتٍ فِضِّيَّةٍ،

بَعْدَمَا فَقَدَتْ أَعْوَادُ الثِّقَابِ

وَظِيفَتَهَا.


اعْتَدْتُ النَّظَرَ إِلَى الْفَرَاغِ،

لِأَرَى بَعْضَ الْكَلِمَاتِ قَدْ تَسَاقَطَتْ

مِنْ رَسَائِلَ قَدِيمَةٍ.


إِنَّ سَمَاعَ الْمُوسِيقَى الْقَدِيمَةِ

عَبْرَ الْمِذْيَاعِ يُشْعِرُنِي بِالدِّفْءِ،

لِعَدَمِ تَوَافُرِ تِقْنِيَّاتٍ صَوْتِيَّةٍ

حَدِيْثَه.


كَدْنَا نَتَّفِقُ،

لَوْلَا أَنَّنَا رَأَيْنَا الزُّهُورَ

بَاهِتَةً فِي زَهْرِيَّتِهَا.


انْقَطَعَ كُلُّ شَيْءٍ بَعْدَ غِيَابِنَا

عَنِ الْمَشْهَدِ،

وَظَلَّ الْجِدَارُ يَنْتَظِرُ عَرْضَ الذِّكْرَيَاتِ

بِلَا فَائِدَةٍ،

وَعُدْنَا وَحِيدَيْنِ.



---


الجمعة، 24 أكتوبر 2025

 تَأَمُّلَات


هكَذَا ظَلَّتْ تُرَاقِبُ

صَدْرَهَا،

الْمَنْقُوطَ بِقِطْعَتَيْنِ

مِنْ شُوكُولَاتَةِ الدَّارْكِ،

بَيْنَمَا انْعَكَسَتْ مِرْآَتُهَا

عَلَى ظِلِّهِ الْمُثَبَّتِ

عَلَى الْجِدَارِ الْخَلْفِيِّ،

حَيْثُ كَانَ يُرَاقِبُهَا

فِي صَمْتٍ، وَهُوَ مُتَّكِئٌ

عَلَى الْفِرَاشِ.


تَرَامَتْ إِلَيْهِ نَظْرَةُ تَفَحُّصٍ

مِنْهَا،

رَآهَا لَحْظَةً،

ثُمَّ تَابَعَ تِلْكَ الْقِشْرَةَ الْخَلْفِيَّةَ

مِنْ ذَاكَ الْجَسَدِ الْقَارُورِيِّ التَّكْوِينِ.


الْأَمْطَارُ خَارِجَ الْمَنْزِلِ

تُطِلُّ عَلَيْهِمَا

مِنْ زُجَاجِ النَّافِذَةِ،

تَنْتَظِرُ،

آمِلَةً أَنْ تَحْظَى بِوَضْعِ اللَّمَسَاتِ

عَلَى كَتِفَيْهَا،

حَتَّى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ.


ذَاكَ الَّذِي بِالْأَمْسِ

كَانَ يُضَاجِعُ

الثَّوْبَ الْمُعَلَّقَ عَلَى الْمِشْجَبِ،

حَيْثُ لَمْ تَكُنْ هِيَ،

وَهَا هِيَ،

وَلَا يَتَعَجَّلُ.


اِمْرَأَةٌ فِي الْمَنْزِلِ،

وَبَيْنَ أَصَابِعِهَا عِلْكَةٌ

فَرَغَتْ مِنْ بَصْقِهَا لِلتَّوِّ.


رَجُلٌ وَظِلَّانِ.


لَحَظَاتٍ مِنْ صَمْتٍ،

وَلَمْ تَنْتَبِهْ

إِلَّا حِينَ احْتَضَنَهَا

الظِّلُّ الْخَلْفِيُّ،

يَنْتَصِفُهَا فِي الْمِرْآةِ.


بَيْنَمَا فَرَغَ الْفِرَاشُ مِنْ أَحْشَائِهِ،

وَالْمِشْجَبُ وَحِيدٌ.


السبت، 18 أكتوبر 2025

 تستيقظُ فلا تجدُ

ماءً،

ولا سماءً تُمطِرُ.


علَّكَ يومًا داعبتَ

جدرانَك،

فما وجدتَ عُشبًا.


انتظرتَ...

ها هيَ وسادتُكَ

الجافَّةُ

تبعثُ شيئًا من الطمأنينةِ.


لتَرَ خِزانةَ ملابسِكَ

مُغلَقةً،

إلّا من فُتحةِ بابٍ

صغيرةٍ

يُطلُّ منها رأسٌ ثملٌ.


لا تَعجَبْ،

في أنَّ المرأةَ المُطِلَّةَ

من المرآةِ تُثيرُكَ،

تَتمَلك الغَيرةُ احشَاءَكَ

خوفًا من التقاءِ النظراتِ،

وذاكَ الثملُ يرمقُها.


تتذكَّرُ بالأمسِ سكينًا

كِدتَ أن تقطعَ أصابعَكَ

عِوَضًا عن فاكهتِكَ،

بعدما خارتْ يداكَ

من لذَّةِ كأسٍ صغيرٍ،


بعدَما شرعتَ في عَدِّ

شُعيراتِكَ البيضاءِ،

فَتثاقلتَ سيرًا إلى فراشِكَ،

لا تعبأُ بحملِ ظمأٍ،

ولا تنتبهُ لعُشبةِ الجدارِ

المنتظِرةِ.


فقط وسادتُكَ الجافَّةُ،

والرأسُ الثملُ المُطِلُّ

من خِزانتِكَ،

والمرأةُ ذاتُ السَّوطِ

بجانبِهِ.


عذرًا،

مُكَبَّلٌ أنا في فراشي،

ولا أَقدرُ على الحراكِ.


الجمعة، 17 أكتوبر 2025

 بورتريه

وعلى الجانبِ الآخَرِ

يَقِفُ مُشيرًا بِيَدِهِ،

مُتأبِّطًا جَريدَةً.


ذاكَ المِعطَفُ،

ذاتَ شِتاءٍ،

كانَتْ تَرتَدِيهِ،

وحيدةً تَجلِسُ.


وعلى الجانبِ الآخَرِ،

يَقِفُ مُشيرًا بِيَدِهِ،

مُتأبِّطًا جَريدَةً.


كادَ يَراها، لَولا مَرَّتْ

عَرَباتٌ خَشبيَّةٌ.

.خاويَةٌ، تَبحَثُ عن أُمنِيّاتِ

العامِ القادِمِ،

علَّهُ أفضَلُ.


أجلِسُ حيثُ كانَتْ

تَنتَظِرُ،

أَشُمُّ عَبَقَ دُخانٍ

مُزِجَ بأَحمَرِ شِفاهٍ.


أَراهُ،

لا يَراني،

لا نَراها.


تُعجِبُني في طُفولتِها،

مُمسِكَةً بالحَلوى.


الكاميراتُ مُثبَّتَةٌ،

وبائعُ الخُردَواتِ

يُتابِعُ هاتفَهُ.


وعلى الجانبِ الآخَرِ

إعلاناتٌ ورقيَّةٌ،

كِدتُ أَقرَأُها

لَولا مَرَّتْ

سيّارةٌ.

الخميس، 9 أكتوبر 2025

 ها هوَ يُلَوِّحُ لِلحافِلَةِ

بَعدَما غادَرَ،

وتَرَكَ ما تَبقّى مِن

فاكِهتِهِ المُحَرَّمَةِ.

.

على جَبينِهِ تَستَلقِي

نُقطَةُ عَرَقٍ مُذابَةٍ

في مَحلولٍ مِلحِيٍّ،

تُذَكِّرُهُ بـ(نُوستالجيا)

لِلحَظاتٍ مِن فِراقٍ.

.

مَعَ انهِمارِ الماءِ

على جَسَدِهِ،

تَحَسَّسَ أَسفَلَ ظَهرِهِ،

فَسَرَت قُشعَريرَةُ اللَّذَّةِ

في مُنتَصَفِ جَسَدِهِ

السُّفلِيِّ،

فَأتى ما تَبقّى مِن مائِهِ،

ثُمَّ تَخَدَّرَ.


لَم يُؤبِهْ بِاحتِضانِ

الأنفاسِ لِجِيدِهِ،

فَكانَ يُرِيدُ المَزيدَ.


تَذَكَّرَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيهِ

الابتِسامَةُ،

فَفَعَلَ.


استَيقَظَ على تَهاوُمِ

الرُّكّابِ، وأَحَدُهُم

يَطلُبُ مِنهُ الأُجرَةَ.


شاهَدَ تَساقُطَ قِطَعِ

الدُّومينو المُتَرِبَةِ

مِن خِلالِ الغُبارِ،

وصُورَتَها تَتَهاوَى

مُمتَزِجَةً بِالأَرقامِ

المَحفورَةِ على

البِلاطاتِ.

الاثنين، 6 أكتوبر 2025

 هَلْ تَضَوَّرْتَ شِعْرًا،

وَبَحَثْتَ عَنْ كَلِمَاتٍ،

فَلَمْ تَجِدْ؟

حَتَّى فِي خَزَانَةِ عَقْلِكَ

لَمْ تَجِدْ.


ثُمَّ ارْتَدَيْتَ مَنْشَفَتَكَ الطَّوِيلَةَ،

وَغَادَرْتَ مَنْزِلَكَ،

تَبْحَثُ عَنْ صُوَرٍ

لِتَلْعَنَ تَوَقُّفَ آلَةِ الزَّمَنِ

وَانْهِيارَ الوَقْتِ مِنْكَ،

لِتَكْتَشِفَ أَنَّ الجَفَافَ

قَدْ أَصَابَ ذَاكِرَتَكَ،

وَأَصْبَحْتَ كَالْمَارَّةِ فِي الطَّرِيقِ،

وَأَنَّ يَوْمَكَ ذَهَبَ

دُونَ أَنْ يُوقِظَكَ،

وَأَنَّ الأَشْيَاءَ مِنْ حَوْلِكَ

غَيْرُ ذَاتِ أَهَمِّيَّةٍ.


كَعَادَتِكَ الوَحِيدَةِ،

تَبْحَثُ عَنْ عَابِرٍ

يَنْبُتُ فِي دَاخِلِكَ،

وَعَنْ أَشْيَاءٍ سَمَّيْتَهَا أَنْتَ

وَلَيْسَ آبَاؤُكَ.


عِبَرَاتٌ قَفَزَتْ لِلتَّوِّ،

تُشْعِرُكَ بِحُزْنٍ

يَنْسَابُ عَلَى وَجْنَتَيْكَ،

أَوِ ابْتِسَامَةِ رِضًا تُرْسَمُ

عَلَى شَفَتَيْكَ،

أَوْ قَلْبٍ تَغَيَّرَتْ نَبَضَاتُهُ

لِتَرْقُصَ عَلَى تَفَاعُلِ مَشَاعِرِكَ،

وَتَنْسِجَ بِخُيُوطِ العَنْكَبُوتِ

الأَحْدَاثَ

كَيْ تُنْقِذَ هَالَتَكَ مِنَ الاِنْطِفَاءِ.


هَا قَدْ تَوَقَّفَ الوَقْتُ،

وَأَنْتَ تَوَقَّفْتَ عَاجِزًا،

لَا أَبْقَيْتَ،

وَلَا أُبْقِيتَ.

الأحد، 5 أكتوبر 2025

تُرى،

كم تخدعُنا عقولُنا؟

تُرى،

كم تتبدَّلُ بصائرُنا؟

فمتى نعودُ — إنْ عدنا —

ومتى نذوبُ — إنْ ذُوِّبْنا —

ومتى تتبدَّلُ الحيواتُ؟


لكنّي أتساءلُ دومًا:

هل يُطلَبُ منّي إبرازُ

بطاقاتٍ شخصيّةٍ،

وأنا لا أحملُ أيَّ بطاقاتٍ؟

لم أعبُرْ عبرَ زماناتي

بلداتٍ غيرَ مدينتِنا.


لا زلتُ، وأتساءلُ دومًا:

كم دومًا دامَ، وإنْ دامَ؟

وهل الأشياءُ هِىَ الأشياءِ؟

هل طعمُ التينِ كطعمِ التينِ؟

وهل الأنهارُ؟

وهل الأشجارُ؟

هل اسري بينا ولا نعلم؟


أدركتُ كثيرًا، منذُ هدهدتْني

أمّي،

ويداها تحملانِ إبْطَيَّ،

أنّي حاولتُ الطيرانَ،

لكنّي عُدتُ إليَّ محمَّلًا

بتشظّي إخفاقٍ،

فيدايا غيرُ مُعَدَّتينِ لهذا.


حاولتُ كثيرًا،

وكبِرتُ كثيرًا،

وعرفتُ أنّي لوَّحتُ كثيرًا

من صوتِ ذراعي.


اعتدتُ على كثرةِ أحلامي،

وإمساكِ يدي لما أراه،

لكن ليس كلُّ ما نراهُ حقيقةً،

ليس كلُّ ما نراهُ حقيقةً.

الجمعة، 3 أكتوبر 2025

لَا أَحَدَ يَتْبَعُنِي اللَّيْلَةَ،

فَقَطْ،

لَا أَحَدْ.


لَاذَ بِي صَمْتٌ، وَصِرْنَا

أَصْدِقَاءَ.


سُرْعَانَ مَا أُفْقِدْنَا

لَحْظِيًّا.


تِلْكَ مِرْآتِي، وَكَفَى.

أَرَاهُ يُطِلُّ مِنْهَا،

يُوَاجِهُنِي،

أَتَرَاجَعُ،

فَيَرْتَطِمُ جَسَدِي

بِظِلٍّ يَسْكُنُ

جُدْرَانِي.


...


هُنَالِكَ،

أَسْمَعُهَا،

تَنْهَارُ بِي دَاخِلِي

نُقْطَةً تِلْوَ أُخْرَى،

تَتَسَاقَطُ، تَتَهَاوَى،

يَفْصِلُ بَيْنَهَا لَحَظَاتٌ.


لَعْنَةُ اللهِ عَلَى انْتِقَاصِ

المَشْهَدِ.


ثَرْثَرَةٌ تَتَشَابَكُ مَعَ صَمْتٍ،

أَلَمْ تَرَ كَيْفَ يَصْرُخُ عَقْلِي:

لَا أُرِيدُ.

لَا أُرِيدُ.


لَا زِلْتُ أُقَاوِمُ،

لَا زِلْتُ،

أُقَاوِمْ.


وَلَا أَجِدُ مَنْ يَتْبَعُنِي،

فَقَطْ...

لَا أَحَدْ.